محمد عزة دروزة
462
التفسير الحديث
في بيته لما به من الهمّ والحياء ، فأنزل اللَّه سورة المنافقون في تصديق زيد وتكذيب عبد اللَّه بن أبي . فلما نزلت أخذ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بأذن زيد ، وقال له : إن اللَّه قد صدقك وأوفى بأذنك . وجاء قوم إلى عبد اللَّه فقالوا له : قد نزل فيك آي شديد ، فاذهب إلى رسول اللَّه يستغفر لك فلوى رأسه ثم قال : أمرتموني أن أؤمن فآمنت ، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فأعطيت فما بقي إلَّا أن أسجد لمحمد . فأنزل اللَّه * ( وإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّه لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ) * . ولما بلغوا المدينة منع عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي أباه من دخولها ، وقال له واللَّه لن تدخلها إلَّا بإذن رسول اللَّه ، ولتعلمن اليوم من الأعزّ من الأذلّ فجاء إلى رسول اللَّه شاكيا ابنه فأرسل رسول اللَّه إلى عبد اللَّه بن عبد اللَّه : أن خلّ عنه حتى يدخل ( 1 ) . ولسنا نرى في هذا السياق مهما كان طويلا ما لا يتسق إجمالا مع الواقع ومع روح الآيات . وقد روته المصادر القديمة . ومنها ما رواه رواة عدول ، فسجل بعضه البخاري ومسلم والترمذي في مساندهم . وكل ما يمكن أن يلحظ فيه ما جاء من أن آية * ( وإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّه لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ) * قد نزلت بناء على رفض ابن سلول حينما نزلت الآيات الأخرى أن يذهب إلى رسول اللَّه يستغفر له . والمعقول أن يكون بعض الناس اقترحوا عليه قبل نزول الآيات أن يذهب إلى النبي معتذرا مستغفرا فأبى ، فحكت الآيات هذا الموقف فيما حكته واحتوت
--> ( 1 ) انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير والطبرسي والخازن والزمخشري والتاج ج 4 ص 235 - 236 . رواية البخاري ومسلم والترمذي وطبقات ابن سعد ج 3 ص 104 - 107 وابن هشام ج 3 ص 334 - 337 وتاريخ الطبري ج 2 ص 260 - 264 ومعظم النص منقول عن تاريخ الطبري وتفسير البغوي . وهذا نصّ الحديث الذي رواه الشيخان والترمذي عن جابر قال « كنّا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار . فقال الأنصاري يا للأنصار . وقال المهاجر يا للمهاجرين فسمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ذلك فقال ما بال دعوى الجاهلية . قالوا يا رسول اللَّه كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار . فقال دعوها فإنها فتنة فسمع بذلك ابن أبي فقال فعلوها . أما واللَّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ . فبلغ النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقام عمر فقال يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه » .